المقريزي
389
إمتاع الأسماع
في شهادة بعض من شهد عليه ، وشاهدت شيخنا القاضي أبا عبد الله بن عيسى أيام قضائه ، أتى برجل هاتر رجلا اسمه محمد ، ثم قصد إلى كلب فضربه برجله ، وقال له : قم يا محمد ، فأنكر الرجل أن يكون قال ذلك وشهد عليه ، ومن ثم أطلقه لفيف من الناس ، فأمر به إلى السجن وتقصى عن حاله وهل يصحب من يستراب بدينه ؟ فلما لم يجد ما يقوي الريبة باعتقاده ، ضربه بالسوط وأطلقه الوجه الخامس : أن لا يقصد بقصد ولا يذكر عيبا ولا سبا ولكنه ينزع بذكر بعض أوصافه أو يستشهد ببعض أحواله صلى الله عليه وسلم الجائزة عليه في الدنيا على طريق ضرب المثل ، والحجة لنفسه أو لغيره ، أو على التشبه به ، أو عند هضيمة نالته ، أو لغضاضة لحقته ، لنفسه أو لغيره ، أو على سبيل التمثيل ، وعدم التوقير لنبيه صلى الله عليه وسلم أو قصد الهزل ، والتنذير بقوله كقول القائل : إن قيل في السوء فقد قيل في النبي صلى الله عليه وسلم ، أو إن كذبت فقد كذب الأنبياء أو إن أذنبت فقد أذنبوا وأنا أسلم من ألسنة الناس لم يسلم منهم أنبياء الله ورسوله ، أو قد صبرت ( كما صبر أولو العزم من الرسل ) ، أو كصبر أيوب ، أو قد صبر نبي الله عن عداه ، وحلم على أكثر مما صبرت ، وكقول المتبني : أنا في أمة تداركها الله * غريب كصالح في ثمود ونحوه من أشعار المتعجرفين في القول المتساهلين في الكلام ، كقول المعري : كنت موسى وافته بنت شعيب * غير أن ليس فيكما فقير على أن آخر البيت شديد ، وداخل في باب الازراء والتحقير بالنبي صلى الله عليه وسلم وتفضيل حال غيره عليه . وكذلك قوله : لولا انقطاع الوحي بعد محمد * قلنا محمد بأبيه بديل هو مثله في الفضل إلا أنه * لم يأته برسالة جبريل فصدر البيت الثاني في هذا الفصل شديد ، لتشبيه غير النبي صلى الله عليه وسلم في فضله ، والعجز محتمل لوجهين ، أحدهما : أن هذه الفضيلة نقصت الممدوح ، والآخر